جلست بِجانب جدها عابسة الوجهِ تقصُ عليه سببَ عبوسها، فقد كانت تقرأ كتابًا كَعادتها في المواصلات لحينِ وصولها إلىٰ البيت فإذ بفتاةٍ تسخر منها وتُخبرها أن قراءة الكتبِ أصبحت عَادة قديمة مَهجورة وأن عليها أن تتحلىٰ بصفاتِ شباب الجيل الجديدِ لا صفات العَجائز.
قال الجدُ بِحنان: لا تحزني يا صغيرتي أنتِ علىٰ صواب باتخاذكِ القراءة هوايةً محببة إلىٰ قلبك، قراءتك للكتبِ تجعل منك واعيةً مُلمة بالكثير من الأشياءِ لكن حذاري أن تتركي عقلكِ لمثل هذه الفتاة فحتىٰ وإن تركَ الجميع الأشياءَ المفيدة واتجهوا إلىٰ أشياء حَديثة غير نافعة فَلا تفعلي مثلهم ولا تلقي بالًا لمَن يثرثرون حَولك.
انصتي إليَّ يا زهرتي؛ هناك حربٌ إلكترونية تدور اليوم في العالم وغايتهَا الكبرىٰ هي السيطرة علىٰ عقول البشر والتحكمِ فيهم، العبودية اليوم ليسَت أغلالًا وإكراهًا بل هي قوى ناعمة تسحبكِ إليها رويدًا رويدًا بكامل رضاكِ ورغبتك دون أي إجبار، إغراء الشبَاب بالتكنولوجيا سلبَ منهم عقولهم وجَعل التحكم فيهم وَدس العاداتِ الخاطئة إليهم أمرًا سهلًا دون أنْ يشعروا؛ الإنترنت والتلفاز بإمكانهم نشرَ سمومًا علىٰ هيئة مُزينة بالمرحِ أو الإفادة.
الكتب أيضًا لم تَسلم منهم فَيمكن لأي أحدٍ أن يكتب كتابًا مغلفًا بمعلوماتٍ شيقة أو قصةٍ مسلية وبين ثَناياها يضعُ لكِ سمًا فتتسرب الأفكار المرادُ إيصالها إليكِ صغيرتي دونَ أن تدركي، السيطرة علىٰ هذه الأجيَال المُتمردة لم تَعد شيئًا عصيًا.
الاستسلام التَام لكلِ هذه المصَادر دون ترشيح الجَيد منها وَالرديء كارثة بِحد ذاتها يمكنها أن تورث أجيالًا كاملة الجهلَ وعدم المسؤولية كمَا يَجعلهم متهاونين في أخلاقِهم ومبادئهم مُطالبين بِالحقوق دون آداءِ الواجبات.
انظري إليَّ يا ابنَتي وَانتبهي لما سَأقول، لِكل شيءٍ في حياتنا جانبٌ مفيد وَآخر ضار أنتِ مَن تحددين أيهما تُريدين، بِإمكانكِ استخدام الإنترنت وَتعلم الكثير من الأشياء المُفيدة منه وأيضًا قراءة الكتب بهدفِ المتعة وَالثقافة ولكن انتَقي ما تقرأينَ، اختاري أساسًا جيدًا كي لا يسقط بِناؤك فوق رَأسك ولا تجعلي نفسكِ أسيرة أشخاصٍ أو عادة، أنتِ ملكة نفسكِ وآمرها الوَحيد لذا لا تنسَاقي خلفَ شيء دون التدقيق في أمره.
الإنسانُ الواعي يَختارُ ما يلائمهُ مِن عاداتٍ ومعلومات ويذرُ الخبيثَ. أما الأذكىٰ فهو مَن يرىٰ السُم المدسوس ويتركهُ.
إرسال تعليق